مفقود: منظومة اجتماعية (محلية).. داخل مدينة جدة !
كتبهاأحمد.أ.شاكر ، في 11 يونيو 2009 الساعة: 22:55 م
<!–
–><!–
–>
مدينة جدة هي التي قال عنها شاعرنا الكبير – حقا – حمزة شحاتة ذات تجلٍ بشري / مكاني «النهى بين شاطئيك غريق – والهوى فيك حالم ما يفيق – ورؤى الحب بين رحابك شتى – يستفز الأسير منها الطليق..» هي قطعا ليس جدة؛ المدينة التي نعيشها اللحظة نبحث عن أطياف إنسانية فلا نجد ! وإذ كان حمزة شحاتة لم يقل ذلك النص بهتانا و(مجاراة) للمألوف في التغني الشعري بالأماكن، لما عرف عنه من تماهٍ خالص مع القناعات الذاتية إضافة لكونه شاعرا حقيقيا مفعما بحرارة الشعور وصدق التجربة فلا شك أننا سنكون مقتنعين أن في جدة ما كان يغري الإنسان الحقيقي لأن يتغنى بها بكل هذا الجمال اللغوي الأخاذ. وهل ثمة ملامح لإغراء الإنسان الحقيقي؛ شاعر ومثقف في المكان سوى أن يجد فيه ذاته التواقة للمعرفة والجمال، والعيش داخل منظومة إنسانية منسجمة تتجلى فيها أبرز مفردات الود والتسامح والتفاعل الإنساني، والإغراق في جماليات المكان المفعم برائحة البحر وجلبة الطرقات وحكايات النوافذ المشرعة للحنين.
جدة الآن – أحبتي – لكأنها مدينة أخرى تختلف – تماما – عن التي توهجت في خطاب شحاتة الشعري وعن أدبيات العلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان، حيث تشهد غيابا هائلا (لإنسانها) الحقيقي عن الحفلة الاجتماعية (الخاصة) التي يبرز فيها عادة ذلك الإنسان وهو ينشد ألحان أنساغه الوجدانية الخالصة، أو هو يمارس طقوسه (الحياتية) التي لا تشبه غيرها، أو حيث يملأ مساحات (منصة) الاحتفال بترانيم خطاب عقله أو نداءات وجدانه، على إيقاع (بلدي) تضيع وتتلاشى معه جلبة العابرين والطارئين على (أصل) المكان، خاصة وأن أصوات هؤلاء (العابرين والطارئين) لا تفصح عن دلالات حضارية أو مقاصد إنسانية نبيلة ! (هل ترون أحبتي في الجنسيات الوافدة التي اقتحمت النسيج الاجتماعي لمدينتنا جدة أية قيم حضارية ومعرفية وإنسانية منتجة ؟ )
تداعت تلك الأفكار في خاطري بتراكم هائل عندما طلب مني صديق (أجنبي) أعرف ولعه بالتعرف على عادات الشعوب وثقافة الأماكن أن اذهب به إلى أي فضاء داخل هذه المدينة (جدة) يمكن أن يشاهد فيه (بانوراما) اجتماعية تجسد حياة وثقافة إنسان المدينة، فاحترت هل آخذة إلى (المولات) المتراكمة التي تغص بالبائعين وسائقي العائلات من كل الأجناس وبضع نساء وأطفال لا يمكن أن تنبئ ملامحهم المتشابهة عن أي هوية تمثل حياة (خاصة) وثقافة (خالصة)، أم أصحبه إلى الشوارع التجارية الكبرى والتي يتكرر فيها المشهد ذاته، مع وجود ملفت للنظر لشباب في (سن المراهقة) بقصات أجنبية يسمونها « كدش – سبايكي – فرزاتشي – « يتقافزون في سياراتهم على نداءات موسيقى الراب بأنغام « سنوب دوغ أو فيفتي سينت أو آيكون .. «، أم أذهب به بعيدا صوب منتجعات الشمال الغربي التي لا تمثل سوى طبقة واحدة من مجتمع جدة تعيش في (عالم آخر) من وهم الحضارة التي انحصرت معطياتها لديهم في السير ذكورا وإناثا متجاورين يطوفون حول (بحيرة) عبثهم حتى آخر (حبة) عرق تنضح من أجسادهم المهترئة. وحتى لو قررت أن (أعكس) مع صاحبي الاتجاه صوب جنوب المدينة وأرافقه إلى الأحياء الشعبية الأولى فلن نجد سوى أطلال لإنسان مر من بين دروبها قبل ما يقارب أربعة عقود من الزمن، وذكرى أبنائه وهم ينسلون بعيدا عن عبق المكان (تاركين) الفرصة من جديد لأصدقائهم العابرين – إياهم – من الجنسيات الوافدة ليجولوا ويصولوا في ذاكرة الأسلاف وتراتيل الرواشين !
استسلمت لفاجعة عدم جدوى البحث عن الفضاء المكاني الذي يشاهد فيه صاحبي تلك البانوراما الاجتماعية الخاصة بإنسان هذه المدينة المترامية الأطراف، سوى أنني تذكرت ذلك التجمع الإنساني (الخالص) الذي يحدث في مدينة جدة بكل أطيافه، عند ما يلعب النادي الأثير في المدينة.. نادي الاتحاد الرياضي في (الملعب الرياضي العريق) جنوبا، ولكنني علمت بتوقف المسابقات الرياضية المحلية، فتلاشت الفرصة (الوحيدة) الباقية !
وفي غمرة تلك الحيرة المؤلمة كان صديقي يحدثني بدهشة عن مشاهد اجتماعية هائلة كان قد (عاشها) في سوق خان الخليلي الشعبي في القاهرة وحتى في أحياء منتصف قاهرة المعز – كالزمالك – أو في الأحياء الجديدة، كمدينة نصر !
وجميعها كان يتجلى فيها بوضوح الإنسان المصري، وهو يبيع ويشتري ويمشي أو يتريض، وهو يضحك أو يتحدث مع جاره وهو ينسق حديقة منزله أو مدخل مسكنه، وقد كان المشهد صاخبا بالإنسان (بالفعل !)
وصاحبي، لا شك أنه وجد ذلك الإنسان في رحلته إلى بلاد (المغرب) في فضاءات متنوعة تمور بالناس في امتزاجهم بحميا المكان ورائحة الأرض، هناك في كل ساحات طنجة وشوارعها وأسواقها ومقاهيها، وفي مراكش حيث ساحة جامع الفنا، وهي وحدها عالم منفتح على كافة التفاصيل والنماذج البشرية، وحتما فإن رحلة صاحبي الحميمة لاكتشاف الإنسان – وعلاقته مع المكان – قد صادفت تلك البانوراما الاجتماعية (السورية) وهي تبرغ بصدقها وزيفها وألمها وفرحها وانتصاراتها وانتكاساتها في سوقي الحميدية والصالحية، وساحات النوفرة والغوطة، وجل شوارع الأحياء الدمشقية.
لذلك فإن شأن جدة يختلف بسبب ذلك الامتزاج الهائل وكثافة الجنسيات الوافدة التي أغرتنا بها (طفرة) اللحظة المادية الغابرة، وقد كان من سوء حظنا أن هؤلاء العابرين غير قادرين على إضافة أية قيم اجتماعية وثقافية (إيجابية ومنتجة) لأنهم يفتقدون – من الأساس – لتلك القيم الحضارية الإنسانية الرفيعة، بل إنهم يكرسون في مجتمع المكان قيم البغض والتخلف والممارسات السلوكية الشاذة وأشكال الجرائم المتنوعة إلى أقصى مدى !
إضافة إلى ذلك فإن النسيج الاجتماعي الذي يشكل المجتمع المحلي (الأصلي) يفتقر إلى قليل من الانسجام، فثمة انفصال اجتماعي هائل بين ساكني المدينة من أبناء بيوتات جدة العريقة وبين النازحين لها من مدن وقرى تشتمل على أعراق قبلية واجتماعية متنوعة. الكل ينظر إلى الآخر بعين الريبة ووهم (استحقاق) تاريخ المكان، مما أفضى إلى مشاهد تنافسية بين الحين والآخر، حتى أنك ترى ذلك التنافس الاجتماعي في أكثر فضاءات المدينة التي ينتظر أن تكون قبل غيرها مساحات للتسامح والموضوعية والوعي الثقافي النبيل، جامعة الملك عبدالعزيز بجدة نموذجا..
وفي الختام.. فهل يستطيع أحدكم مشكورا أن (يدل) صديقي على طيف لمكان في أرجاء جدة الودودة يستطيع من خلاله أن يرى تلك البانوراما الاجتماعية الوطنية الخالصة ؟!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ألمواضيع ألعامة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























